محمد بن جرير الطبري

152

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

هل بَلغك إسرافيلُ عهدي ! ( 1 ) فيقول : نعم ربّ ، قد بلغني . فيخلَّى عن إسرافيلُ ، ويقال لجبريل : هل بلغت عهدي ؟ فيقول : نعم ، قد بلغتُ الرسل . فتُدعى الرسل فيقال لهم : هل بلَّغكم جبريلُ عهدي ؟ فيقولون : نعم ربَّنا . فيخلَّى عن جبريل ، ثم يقال للرسل : ما فعلتم بعهدي ؟ فيقولون : بلَّغنا أممنا . فتدعى الأمم ، فيقال : هل بلغكم الرسل عهدي ؟ فمنهم المكذّب ومنهم المصدِّق ، فتقول الرسل : إن لنا عليهم شهودًا يَشهدون أنْ قد بلَّغنا مع شَهادتك . فيقول : من يشهد لكم ؟ فيقولون : أمَّة محمد . فتدعى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فيقول : أتشهدون أنّ رسُلي هؤلاء قد بلَّغوا عهدي إلى من أرسِلوا إليه ؟ فيقولون : نعم ربَّنا شَهدنا أنْ قد بلَّغوا . فتقول تلك الأمم . كيف يشهد علينا من لم يُدركنا ؟ فيقول لهم الرب تباركَ وتعالى : كيف تشهدون عَلى من لم تدركوا ؟ فيقولون : ربنا بعثت إلينا رسولا وأنزلت إلينا عهدك وكتابك ، وقصَصَت علينا أنّهم قد بلَّغوا ، فشهدنا بما عهدْتَ إلينا . فيقول الرب : صدَقوا . فذلك قوله : " وكذلك جَعلناكم أمة وَسَطًا " - والوسطُ العَدْل - " لتكونوا شُهداء على الناس ويكونَ الرسولُ عليكم شهيدًا " . قال ابن أنعم : فبلغني أنه يشهد يومئذ أمَّةُ محمد صلى الله عليه وسلم ، إلا من كان في قلبه حِنَةٌ على أخيه . ( 2 )

--> ( 1 ) في المطبوعة : " هل بلغت إسرافيل " ، وهو خطأ ، وصوابه ما أثبت . ( 2 ) الحديث : 2195 - هذا حديث ضعيف ، من ناحيتين : من ناحية أنه مرسل ، رواه تابعي لم يسنده عن صحابي . ومن ناحية ضعف " رشدين بن سعد " ، كما سيأتي . وقد مضت قطعة منه بهذا الإسناد : 2176 . وأحلنا تخريجها على هذا الموضع . رشدين بن سعد : ضعيف جدًا ، سبق بيانه في : 1938 . ووقع في المطبوعة هنا ، وفي : 2176 : " راشد " ، كما كان ذلك في : 1938 . وهو خطأ . ابن أنعم المعافري : هو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم - بفتح الهمزة وسكون النون وضم العين المهملة - المعافري الإفريقي القاضي . وهو ثقة ، تكلم فيه كثير من العلماء بغير حجة ، سمع من أجلة التابعين ، وكان شجاعًا في الحق . وكان أحمد بن صالح يقول : هو ثقة ، وينكر على من تكلم فيه . قاله أبو بكر المالكي في رياض النفوس : " كان من جلة المحدثين ، منسوبًا إلى الزهد والورع ، صلبًا في دينه ، متفننًا في علوم شتى " . وغلا فيه ابن حبان غلوًا فاحشًا ، فقال في كتاب المجروحين ، ص : 283 - 284 : " كان يروي الموضوعات عن الثقات ، ويأتي عن الأثبات ما ليس من أحاديثهم ، وكان يدلس عن محمد بن سعيد بن أبي قيس المطلوب " . ثم روى حديثًا من طريقه يستدل به على ما قال . وهو حديث موضوع ، ولكن ابن أنعم بريء من عهدته ، فإن الحمل فيه على أحد الكذابين ، وهو يوسف بن زياد البصري . وقد تعقب الدارقطني على ابن حبان ذلك ، فيما ثبت بهامش مخطوطة المجروحين . والمشارقة أخطأوا معرفة ابن أنعم ، فعن ذلك جاء ما جاء من جرحه ، بل أخطأوا تاريخ وفاته ، فأرخوه سنة 156 . والمغاربة أعرف به ، وأرخوه سنة 161 . وله تراجم وافية : في التهذيب 6 : 173 - 176 ، والصغير للبخاري ، ص : 180 ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 334 - 335 . والمجروحين لابن حبان : 283 - 284 ، والميزان للذهبي 2 : 104 - 105 ، وطبقات علماء إفريقية لأبي العرب : 27 - 32 . ورياض النفوس لأبي بكر المالكي 1 : 96 - 103 ، وتاريخ بغداد 10 : 214 - 218 . حبان - بكسر المهملة وتشديد الموحدة - بن أبي جبلة المصري : تابعي ثقة . وهو أحد العشرة الذين أرسلهم عمر بن عبد العزيز ، ليفقهوا أهل إفريقية ويعلموهم أمر دينهم . مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 1 / 83 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 269 . وهذا الحديث مرسل ، إذ حكى راويه عن التابعي أنه " يسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، لم يذكر من حدثه به . وقوله " يسنده " - كتب في المطبوعة هنا وفي : 2176 " بسنده " بالباء الموحدة . وهو تصحيف . والحديث ذكره السيوطي 1 : 145 ، ولم ينسبه لغير الطبري وابن المبارك في الزهد . وكان في المطبوعة " حقد على أخيه " . وفي الدر المنثور 1 : 146 " إحنة " ، والذي أثبته من القرطبي ، وبعض المخطوطات . والحنة : الحقد ، من " وحن يحن حنة " مثل : " وعد يعد عدة " ( بكسر الحاء وفتح النون ) . وقال الأزهري : ليست من كلام العرب ، إنما هي إحنة : أي حقد . وأنكر الأصمعي " حنة " ، وحكى عنه أبو نصر أنه قال : " كنا نظن الطرماح شيئًا حتى قال : وَأَكرَهُ أنْ يَعِيبَ عَلَيَّ قَوْمِي . . . ِجَائِي الأَرْذَلِينَ ذَوِي الحِنَاتِ لأنها إحنة وإحن ، ولا يقال حنات " ( ديوان الطرماح : 134 ) . وقال الزمخشري في الفائق ( أحن ) : " أما ما حكى عن الأصمعي . . . فاسترذال منه ! " وحن " ، وقضاء على الهمزة بالأصالة ، أو برفض الواو في الاستعمال " .